الرقيق القيرواني

95

تاريخ افريقية والمغرب

قال : « ما يدرك المال والشرف إلا في صحبتك ، ولكني تركت عجوزا وأريد مطالعتها » ، وكتب عهده على قضاء القيروان ، وقال : « اذهب فقد أذّنا لك » . وقال عيسى ، ولىّ عهد المنصور ، لعبد الرحمن بن زياد يوما : « ما يمنعك من إتياننا ؟ » قال : « وما أصنع عندك إن أتيتك ، إن أدنيتنى قتلتني وإن أقصيتنى أخزيتنى ، وليس عندك ما أرجوه ولا عندي ما أخافك عليه » . قال أبو عثمان المعافري : كنت يوما عند عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، قاضى إفريقية ، وهو يتنفّس الصّعداء ، والكآبة ظاهرة عليه ، حتى أتاه شاب معه مخلاة فأسرّ إليه كلاما فأسفر وجهه وتبسّم ، وقال لغلامه : « جئنا بالفول الذي طبخوه البارحة لنا » ، فجاءه به ، فقال : « تقرّب » ، قال أبو عثمان : فقلت : « لا أفعل » قال : « ولم يا أبا عثمان ، أظننت ظنا ؟ » ، قلت له : « نعم » ، قال : « أحسب يا أبا عثمان أنك قلت إذا رأيت هذه الهدية دخلت دار القاضي : فاعلم أن الأمانة قد خرجت من كوّة داره ، وليس هو هديّة » قال : فقلت له : « إنّى كنت رأيتك مغموما فلمّا أتاك هذا الطّعام انطلقت وأسفر وجهك » ، فقال لي : « إنّى أصبحت وقد بعد عهدي بالمصائب ، فخفت أن أكون قد سقطت من عين اللّه ، فلمّا أتاني هذا الغلام ذكر لي أن أكفأ عبيدي وأقومهم بضيعتى توفى ، فزال عنى الهمّ والغمّ واسترحت . وكان ابن أنعم يقول « لكل شئ آفة تستعبده ، وآفة العبادة الرّياء ، وآفة الحلم الذّل ، وآفة الحياء الغضب وآفة اللّب الإعجاب ، وآفة الظّرف الصّلف ، وآفة العلم النيسيان ، وآفة الجود السّرف » . وأقام عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قاضيا على إفريقية المرة الثانية إمارة ابن الأشعث والأغلب بن سالم وعمر بن حفص حتى قدم يزيد بن حاتم فأقام مدّة ثم انعزل ، وكان فيما روى عن سليمان بن عمران قال : كانت امرأة تدخل إلى نساء يزيد بن حاتم ، وكان لها خصومة عند عبد الرحمن ، فكتب لها كتاب حكم ، وختمه ، وأعطاها إياه فأخذته ودخلت به إلى دار يزيد بن حاتم ، فقال لها : « ما هذا ؟ » فأعلمته ، فأخذه وفضّ خاتمه